الاثنين، أغسطس 20، 2012

كلمة المؤلف خلال حفل التوقيع في 13 تشرين الثاني 2009


سليم مهنا 
حضرة راعي الاحتفال
الحضورُ الكرام
أيُها الأحباء


لا أظن أن أحداً يرغبُ أن يكونَ المتكلمُ الأخيرَ بعد أساتذةِ الكلام، ولا أدري إن كان بعدَ كلِ الكلامِ الجميلِ والعميقِ الذي قيلْ قد بقي ما يُقال.

يقول الأديب سعيد تقي الدين مازحاً: "عندما بدأت أكتبُ لم أعد أصدقُ ما أقرأ". ولكن عذراً من الشيخ سعيد، فعندما بدأت أكتبُ صرتُ أقدرُ قيمةَ ما يكتب. لعل أهمَ ما في الكتابةِ هو ما تتطلبُه من قراءةٍ وبحثٍ وتحليلٍ، وهو ما بِتنا في أشد الحاجة للعودة إليه، خصوصاً مع تنامي اتكالِنا في تحصيل معارفِنا على المشاهدِ والمسموعِ منها، دون أن يكونَ لنا في ما نشاهِدُه أو نسمعُه حريةَ اختيارِ المضمونِ أو القدرةَ على الاحتفاظِ به للعودة إليه عند الحاجةِ أو مناقشتِه أو نقلِه للغير، هذا فضلاً عما يستطيعُ الكتابُ أن يحفظَه من أفكارٍ وتجاربٍ للأجيال الآتيةِ، تماماً كما حَفِظَت لنا كتبُ الأقدمينَ تاريخَنا وحضارتَنا وعلومَنا وحتى تعاليمَنا الدينية.

ماذا يبيعُ المصرفُ، وكيفَ، ومتى، ولمن... ؟ وكيف تجري الأمورُ داخَلهُ؟ وما هي العناصرُ المؤثرةُ على عمله؟ كيف يمكن بناءُ استراتيجية تسويقيةٍ فاعلةِ، تستفيدُ من تراكم التجربة المصرفية، وتهيئُ الظروفَ نحو غدٍ منتجٍ؟ وما هو مستقبلُ العملِ المصرفي في ظلِ التطورِ المتلاحقِ في تكنولوجيا الاتصالاتِ والمعلومات، والانفلاشِ المتسارعِ في خلق الحاجاتِ والرغبات، والتبدلِ المستمر للمفاهيم ومرتكزاتِ القيم؟ وكيف يمكن للمصارفِ أن تُسهمَ في عمليةِ التنميةِ المجتمعيةِ في المجالات كافة؟
ثم، ماذا يعني المصرفُ للناس؟ وكيف يتصورونَهُ؟ وكيف يكسب زبائنَهُ؟ وكيف يحافظُ على علاقة مستدامةِ معهم؟
هذه الأسئلةُ وغيرُها كانت دافعي للغوصِ في أعماقِ النشاط المصرفي وتوجهاتِه وتأثيراتِه على الحياة الاقتصادية والاجتماعية، في محاولة لطرح بعض الأفكار والآراء، والتي أظن أن بتحقيقِها قد تُسهمُ في تطور العمل المصرفي وتقدمه، وترفع نسبةَ الوعي المصرفي لدى جمهورِ المتعاملين.
وما هذا الكتابُ إلا مقدمةً ودعوةً لفتح الباب أمام المهتمينَ والباحثينَ نحو مزيدٍ من الأبحاثِ والدراساتِ والآراء حول كثيرٍ من المواضيع التي أثارَها، والتي لم يكن بالإمكانِ التوسعَ فيها كفاية في هذا المجالِ من البحث، وهو أيضاً دعوةً للمصرفيينَ أصحابِ الخبرةِ والكفاءةِ العاليةِ، وهم كُثرٌ والحمد لله، لتوثيق تجاربِهم ومشاركةِ الآخرينَ بما اكتنزوه من معرفة ودراية بشؤون العمل المصرفي وشجونه.  
بلدَنا غنيٌ بالأدمغة المصرفية والمالية التي جعلت منه بلداً رائداً في مجال الصناعة المصرفية، ولكن هل حافظ قطاعُنا المصرفيُ على مكانتهِ هذه أمامَ تنامي المنافسةِ الإقليميةِ والعالمية؟ وماذا عليه أو ماذا بوسعه أن يفعل للمحافظة على هذه الريادة؟ لا تستطيعُ فحصَ مناعةِ أي قطاع إلا في ظلِ الأزمات، والأزمةُ العالميةُ التي ضربت الأسواقَ الماليةَ ضربت أصلاً القطاعاتُ المصرفيةُ، وقد تمكن القطاع المصرفي اللبناني من تجاوزها بسلام بفضل احترامه لمعايير الملاءةِ وإدارةِ المخاطرِ، خصوصاً مخاطرِ التسليفِ والاستثمار، وقد يكونُ القطاعُ المصرفيُ الوحيد في العالم الذي لم يحتج إلى دعم حكومته، فيما احتاجت معظمُ القطاعاتُ المصرفية بما فيها العربيةُ منها إلى دعم حكوماتِها. لقد حاز على ثقة اللبنانيين والعرب واليوم يكتسب أيضاً ثقةً دوليةً ثمينةً جداً.

قد تكون عودةُ بعض الأدمغةِ المصرفيةِ والتدفقِ الكثيفِ للودائع إحدى إيجابيات الأزمةِ المالية، ولكن لماذا لم ينعكس التحسنُ في الوضع المالي المصرفي تحسناً على الوضع الاقتصادي والاجتماعي؟
لعله من الأهمية بمكان أن تقومَ الدولةُ بدورها في هذا المجال، سواء على صعيد الاشتراك في الاقتصاد عبر القطاع العام، أو على صعيد المراقبةِ والتنظيم عبر سلطاتها المتعددة، إذ لا يمكنُ أن يوجدَ اقتصادٌ جيدٌ من دون إدارةٍ حكوميةٍ جيدة، تعمل على تعزيز مناخ الاستثمار وتطلق حيويةَ العملِ والانتاجِ، لا سيما في المناطق الريفية، بهدف تخفيضِ مستوياتِ الفقرِ والحدِ من البطالةِ وإيجاد فرصِ العملِ وإحداثِ التنميةِ الحقيقيةِ، وللحد من ظاهرة النزوح نحو المدينة أو الهجرةِ بطبيعة الحال.

إن رأسَ المالِ ليس جباناً كما يشاع، بل هو حذر، وإن صح هذا القول، فكيف تضخ آلافُ المليارات من الاستثمارات المالية في أنحاء العالم كافة؟ إن الاستثماراتِ بحاجة إلى مناخٍ استثماري يزيلُ عواملَ الخوفِ والحذرِ أمام المستثمرينَ لأجل تحفيزِ النمو، والحد من الاستثمار السلبي للمدخراتِ، ومنعِ تحول اقتصاد البلد إلى اقتصاد ريعي. لذا علينا التفكيرُ في كيفية تحضيرِ بلدِنا للمستقبل الآتي، فلا يجوزُ أن يكونَ بلدُنا بلداً سياسياً لا يملك أهدافاً اقتصاديةً واقعية.  

وفي هذا الإطار تقع على عاتق القطاع المصرفي مسؤوليةً كبرى تتمثل بدعم القطاعات الانتاجية الأساسية خصوصاً الزراعيةِ والصناعيةِ، للحد من ظاهرة اعتماد اقتصاد البلد على قطاع الخدمات وأبرزُها السياحة، ولإيجاد التوازن بين القطاعات الانتاجية المكونة للاقتصاد الوطني، حيث أن أرقامَ التسليفاتِ الممنوحةِ لهذين القطاعينِ هي أقلُ من1% للزراعةِ وأقلُ من 4% للصناعة، فيما تبلغ نسبةُ التسليفات للأفراد 75% منها 18% للقروض السكنية، والنسبةُ الباقيةُ أي حوالي 20% للتجارة والخدمات وغيرها.
 لهذا يتعينُ على التسويق أن يتوجهَ بالعمل المصرفي نحو آفاقٍ جديدةٍ من المنتجاتِ التي تدعمُ القطاعاتُ الانتاجيةُ غيرِ الخدماتيةِ، عبر التسويقِ القطاعي الموجهِ نحو تفعيلِ اقتصادياتِنا بالاعتماد على الاقتصاد القائم على أساس الانتاج الحقيقي، وعدم الاكتفاءِ كما هو واقعُ الحالِ على المنتجات الخدماتية والقروض الاستهلاكية الكمالية، والميلِ الجارفِ نحو التمويلِ التجاري والعقاري.
وبعد ...
فإن الشكرُ واجبٌ لجميع من تكرموا بالمساعدة في إنجاز هذا العمل، فشكراً للأستاذينِ الكريمين شوقي يونس وهاني الحلبي لقيامِهما بالتدقيقِ اللغوي.
شكراً لأخي منير على ملاحظاتِه التي أغنت هذا العمل.
والشكرُ الكبيرُ لحضرةِ نائبِ حاكمِ مصرفِ لبنان الأستاذ الدكتور سعد العنداري، على ما لَقِيتُهُ منه من محبةٍ واهتمامٍ كاملين، وعلى جُهده في قراءة مسودةِ الكتاب وملاحظاته القيمة، مع تمنياتنا له بالنجاح الدائم. 
شكراً للإعلامية الآنسة هبة نصر المتألقةِ ثقافةً وحسناً.
شكراً للزملاء رئيس وأعضاء الهيئةِ الإداريةِ لجمعية متخرجي جامعة بيروت العربية على كرمِهم وحفاوتِهم.
شكراً لرئيس اتحاد نقابات موظفي المصارف في لبنان الزميل الأستاذ جورج الحاج ولجميع أعضاء المجلس التنفيذي.
شكراً لمعلمي الأول ووالدي الروحي، حضرةَ مساعدِ مدير عام الاعتماد اللبناني الأستاذ أنطوان خاطر، الذي علمني كيف يكونُ العملُ المصرفيُ مهنةً وضميراً ومسلكاً لا وظيفةً لكسبِ العيشِ، وألفُ شكرٍ له على كلماته الطيبةِ التي كان لي الشرفُ في أن تتصدرَ صفحاتَ كتابي هذا.
والشكر الجزيل لحضرة مدير عام وعضو مجلس إدارة بنك الموارد الشيخ مروان سليم خير الدين الممتلئِ حيويةً وثقافةً، والذي كان لي شرفُ العملِ بإشرافه وإدارته منذ العام 2000، فتعلمت منه شغفَ الطموحِ الدائمِ نحو الأفضل. وإني أشهد أمامَكم أن أكثرَ ما أسعى للتعلم منه هو أسلوبَه وتواضعَه المرتكزينِ على صدقه مع نفسه ومع الآخرين، فشكراً لكم يا شيخ مروان على رعايتكم وتشجيعِكم الدائم. حَفِظَكم الله على رأس هذه المؤسسةِ المصرفية الرائدة، التي أتمنى لها، لا بل أتوقعُ لها في ظل قيادتِكم المزيدَ من التألق والنجاح.


أخيراً
لأهلي وأسرتي الصغيرة أهدي هذا الكتاب،
إلى المصرفي العريق وصاحبِ الأكفِ البيضاء والنوايا الصافيةِ كثلج حرمون، إلى مؤسس بنك الموارد ورئيسِ مجلسِ إدارته حضرة الشيخ سليم خير الدين.
إلى كل العاملينَ في قطاعِنا المصرفي والباحثين في شؤونه، خصوصاً طلابُنا الأحباء.
وإلى أحبائي جميعاً أقول: أنتم دائماً نُقطةُ ضَعفي ومصدرُ قوتي، إليكم أُهدي هذا الكتاب.

أكرر ترحيبي بحضراتكم وشكري العميقِ لاهتمامِكم وحضورِكم الذي أغنى هذا الحفل، وأرجو منكم العذرَ عن أيةِ هفوةٍ تنظيميةٍ مهما كانت بسيطةً، فأنتم أحباءَ أعزاء.

بارك أوتيل – شتورا – البقاع – لبنان  في 13 تشرين الثاني 2009

ليست هناك تعليقات: