إن الأعمال المصرفية أشمل من بيع خدمة أو منتج، لأن المصارف
أولاً وأخيراً مؤتمنة على أموال الناس، وهي من أهم أدوات حفظ المدخرات وزيادة
مستويات الاستثمار، والاستثمار في نهاية المطاف أهم أداة لرفع او خفض مستوى نسبة
النمو الاقتصادي، حيث يلعب النشاط المصرفي دوراً هاماً وأساسياً في تحقيق التوازن
المالي من خلال تعبئة المدخرات وإعادة استغلالها بكفاءة.
هذا الكتاب هو محاولة للغوص في أعماق العمل المصرفي وتوجهاته
وتأثيراته على الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وما هو إلا مقدمة ودعوة لفتح الباب أمام
المهتمين والباحثين نحو مزيد من الأبحاث والدراسات والآراء حول كثير من المواضيع
التي أثارها، والتي لم يكن بالإمكان التوسع فيها كفاية في هذا المجال من البحث، لا
سيما منها المفاهيم الإدارية والتسويقية، المنتجات المصرفية، المنافسة الإقليمية والعالمية
المتنامية، العلاقة بين التطور المصرفي وتطور التشريعات والقوانين، وأثر الرعاية
الحكومية وتوجهاتها على أداء القطاع المصرفي وانتاجيته.
نحن بحاجة إلى استراتيجية تسويقية تسعى نحو مزيد من
الفعالية، ونحو إنتاجية متقدمة تسهم في تحقيق النمو والرفاهية، وتفتح آفاق التطور الاجتماعي
والاقتصادي، وتخلق دينامية متجددة أمام مجتمع منتج، وأجيال من الشباب الطامحين إلى
مستقبل أفضل.
لهذا يتعين على التسويق أن يتوجه بالعمل المصرفي نحو
آفاق جديدة من المنتجات التي تدعم القطاعات الإنتاجية غير الخدماتية، أي التسويق
القطاعي الموجه بعناية نحو تفعيل اقتصادياتنا بالاعتماد على الاقتصاد القائم على
أساس الإنتاج الحقيقي في ميادين الزراعة والصناعة، وعدم الاكتفاء كما هو واقع الحال
على المنتجات الخدماتية والقروض الإستهلاكية الكمالية، والميل الجارف نحو التمويل
التجاري والعقاري.
إن تفعيل دور المصارف في عملية التنمية الشاملة، يتطلب
تضافر جهود القطاعين العام والخاص في إطار متكامل ومتناسق، فثمة دور مهم للدولة
عبر الاستثمار في المشاريع الطويلة الأمد، كالبنى التحتية والتنمية البشرية
والمحافظة على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والبحث عن فرص وآفاق اقتصادية
لتحريك الدورة الاقتصادية المحلية. ولعله من الأهمية بمكان أن تقوم الدولة بدور كبير،
سواء على صعيد الاشتراك في الاقتصاد عبر القطاع العام، أو على صعيد المراقبة
والتنظيم للحياة الاجتماعية والاقتصادية عبر سلطاتها التشريعية والقضائية
والتنفيذية والإدارية، إذ لا يمكن أن يوجد اقتصاد جيد من دون إدارة حكومية جيدة،
تعمل على تعزيز مناخ الاستثمار وتطلق حيوية العمل والإنتاج لدى القطاع الخاص،
وتشجع أصحاب رؤوس الأموال على اقامة المؤسسات والاستثمار بالمشاريع الإنتاجية
الضرورية.
إننا أمام صناعة تفوقت على غيرها من الصناعات، باعتبارها
تنتج مادة أولية رئيسية تدخل في أساس الصناعات الأخرى كافة وتهيئ لإنتاجها، فنحن
في حضرة قوى عملاقة تتدخل في كل أشكال حياتنا وتؤثر على كل ما يدور حولنا، ولا
يتوقف تأثيرها عند حدود معينة، بما فيها مفاهيمنا وعاداتنا وبعض أفكارنا، فهل يصح
أن نقف منها موقف المتفرج؟
يساعدنا البحث في حقيقة الأشياء وتحليلها على فهم
مكنوناتها والتعامل معها باعتبارها كيانات حيوية متحركة، وليس كأشياء ثابتة
وجامدة. إذاً نحن بحاجة دائمة لتطوير قدراتنا الذاتية وفهم ما يدور حولنا، من خلال
نظرة استباقية ثاقبة، تقرأ المدلولات وتحللها وتخرج منها باستنتاجات مفيدة.
ربما نكون بحاجة ماسة إلى تغيير جدي في رؤيتنا وأسلوب تعاملنا
مع كثير من القضايا المصرفية التي درجت العادة على إتباعها وسلوكها، دون أن نتكلف
عناء تحليلها وقياس نتائجها وفاعليتها وصوابية الاستمرار بها، باعتبارها مسلمات
مجربة وصحيحة.
ولكن، هل يمكن تحقيق التطور المرجو في عمل المصارف من
دون تحقيق التطور اللازم في استراتيجية التسويق المتبعة؟ وهل فات أوان العمل
والتغيير؟ إن العمل المصرفي لا يعرف الركود أو التراجع، معنى ذلك أن الفرصة لا
تزال متاحة للعمل على بناء الاستراتيجيات التي تتجاوب مع متطلبات النمو، انطلاقاً
من فهم دور كل عنصر من عناصر الاستراتيجية التسويقية وتأثيره على دفع أعمال المصرف
وتوجيهها نحو الأفضل.
لقد حاولنا من خلال شرح وظائف العناصر المكونة للاستراتيجية
التسويقية، أن نعيد الاعتبار إلى أهمية كل عنصر فيها على حدة، وإلى أهمية التكامل
والتعاون بين هذه العناصر من خلال وظائفها المتداخلة أساساً، لإحداث الفاعلية
الموصلة للنجاح. فالعملية التسويقية تحتاج إلى التفاعل البنّاء بين جميع القوى
المحركة للنشاط، انطلاقاً من تأثير هذه القوى الواضح، ولو بدرجات متفاوتة، على
بناء القدرة التسويقية للمصرف، وصياغة الدور والأهداف والسبل المؤدية إلى تحقيق
أفضل النتائج.
إن سر النجاح في تنفيذ أي عمل يكمن في أمرين أساسيين:
الفكرة المناسبة، ومن ثم إيجاد الرغبة والتصميم على تنفيذها. لطالما ترد في
أذهاننا أفكار مذهلة، لكننا نهملها لأسباب عديدة، أهمها اعتقادنا أنها صعبة
المنال. إن الشعور بالعجز ينتج عادة عن الإخفاق في تلقف الفرص والتقاط الأفكار
الذكية والمبدعة ودرسها وتحليلها وتحويلها إلى أهداف ممكنة، وعن عدم الرغبة والإصرار
على بلوغ تلك الأهداف وتحويل الأمنيات بإرادة وعزم إلى أمور حقيقية ومفيدة.
والنجاح في العمل
المصرفي كأي نجاح آخر، لا يأتي جواباً على التمنيات، وليس هو وليد ضربات الحظ، بل
يأتي فقط تلبية للخطط الدقيقة الناشئة عن رغبات محددة وعن مثابرة ثابتة وتنظيم
للمعارف، وعن إرادة شجاعة وسيطرة ملموسة على الخوف واليأس والتردد واللامبالاة. النجاح لا يعرف نشوة النصر أو النوم فوق أكاليل الغار، ولا يتوقف عند إنجاز محدد، فمن يقول نجحت، هو إنسان اختار هدفاً معيناً و"علق" عنده.
إن الطريق إلى النجاح والتميز لا يرصف بالأوهام، بل
بالتحضير الجيد والاستعداد، وبالأعمال المنتجة، وبرأينا لا توجد طريق إلى النجاح،
فالنجاح ... هو الطريق.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق